من بين الأفكار التي تظلّ عالقة في الذهن بعد الانتهاء من القراءة، تلك التي تتجاوز حدود التصنيف لتطرح سؤالًا عن طبيعة الإبداع نفسه. ولعلّ ثنائية الكاتب القنفذ والكاتب الثعلب من أكثر الأفكار التي أثارت الجدل في فهم هوية الكاتب، وهي الفكرة التي تناولها إيتالوكالفينو برؤية مختلفة، رافضًا أن تكون مجرد قالب جاهز لتقسيم المبدعين.
يُنظَر إلى الكاتب القنفذ بوصفه صاحب الرؤية الواحدة؛ فهو يكتب انطلاقًا من فكرة مركزية لا تكاد تفارق كتابته، حتى وإن تبدلت الشخصيات والأحداث والأزمنة. أما الثعلب، فيسلك طريقًا مغايرًا؛ يغيّر أساليبه ويجرب أشكالًا سردية متعددة، ويؤمن بأنّ كلّ عمل أدبي يحتاج إلى لغته الخاصة به، وأنّ تكرار الوسائل ليس شرطًا لثبات الرؤية.
غير أنّ كالفينو لا ينحاز إلى أحد النموذجين انحيازًا كاملًا، بل هو يحاول أن يحررهما من الجمود. فهو يعترف بأنه كاتب ثعلب، لكنه لا يخفي إعجابه بالقنفذ، لأنّ القنفذ يملك القدرة على الإحاطة بفكرة كبرى تمنح أعماله وحدة داخلية. وفي المقابل، يرى أنّ الثعلب يمتلك فضيلة أخرى لا تقلّ أهمية، وهي القدرة على التجدد، والانتقال من تجربة إلى أخرى دون أن يفقد دهشة الاكتشاف.
ولعلّ ما يميّز تجربة كالفينو أنه كان يخشى أن يتحول نجاحه في أسلوب معيّن إلى قيد يلازمه طوال حياته. لذلك ظلّ يبحث عن كتابة مختلفة، لا رغبة في الاختلاف لذاته، وإنما إيمانًا بأنّ الأدب لا يعيش إلّا بالحركة، وأنّ الكاتب الذي يكرّر صوته يفقد مع الوقت قدرته على الإصغاء إلى أصوات جديدة في داخله.
تبدو رسائله الشخصية امتدادًا لمشروعه الإبداعي؛ ففيها يتحدث عن رغبته في الإفلات من النمط الذي بدأ الناس يربطونه باسمه، وكأنه كان يرى أنّ أخطر ما يواجه الكاتب ليس الفشل، بل أن يصبح أسير نجاحه الأول.
وفي كتابه «ست محاضرات للألفية القادمة» تتجسد هذه الفكرة بصورة أوضح. فالخفة، والسرعة، والدقة، والتعددية، ليست مجرد خصائص فنية، بل هي دعوة إلى أدب يرفض الانغلاق، ويؤمن بأنّالعالم أوسع من أن يُقرأ من نافذة واحدة.
ربما لهذا بقي كالفينو حاضرًا في الذاكرة الأدبية؛ لأنه لم يكن يبحث عن تعريف نهائي للكاتب، بل عن حرية الكاتب. فالقيمة الحقيقية للإبداع لا تكمن في كون صاحبه قنفذًا أو ثعلبًا، وإنما في قدرته على أن يظلّ وفيًا لأسئلته، وأن يمنح كلّ عمل فرصة لأن يكتشف طريقه الخاص. فالأدب، ليس تكرارًا لما عرفناه، بل مغامرة دائمة نحو ما لم نكتبه بعد.



